قادري احمد حيدر
الدولة، بين الديني، والمدني (2-2)
2018/10/11 - الساعة 12:26 م

الأهداء :- إلى محمد حسين شمسان/ صديقاً، ورفيقاً، معه تشعر بالراحة والأمان . الإحساس بالوفاء للصداقة يتنامي مع كل ساعة تمر عليك وأنت قريب منه، روح طاهرة، وعقل سياسي متميز دون إدعاء ، محبا لمن حوله، مساحة التسامح في داخله بلا حدود، انها التربية الوجدانية الانسانية المفتوحة على الاخر ، التي تشربها مع نعومة علاقته بالناس من حوله.

    ولذلك يفكر مليا وطويلا قبل أن يتقدم برأية حول قضايا الشأن العام.

 إليه مع كل المحبة والمودة.

 إن أحكام الله سبحانه وتعالى في النص القرآني، ليست أحكاماً حول قضية الدولة، وبناء الدول، فذلك ما لا يقول به النص القرآني، ولا السنة النبوية الشريفة، ولا أي كتابة موضوعية تعاطت مع النص القرآني في جوهره، وروحه. وبالعودة إلى القرآن الكريم لا نجد هذه المعاني، ولا تلكم القيم، أو الأفكار والدلالات التي تشير أو تؤكد على الدولة، وأهمية بناء الدول، بل إن مفهوم أو مصطلح الدولة الواجب بناؤها لم يرد في النص القرآني، وهناك من يتعسف النص القرآني ويحمله ما لا يحتمل في مجال بناء الدولة، ويسعى للمماهاة بين خطاب العبادات، وخطاب المعاملات، -كما سبق الألماح- بالعمل على تأويل نصوص تتحدث عن علاقة المؤمن، والمسلم بربه، وتحولها إلى فكر سياسي في بناء الدول والمجتمعات، وهناك اليوم دون شك فكر سياسي إسلامي يتحدث بهذا المعنى، ولكن ليس هناك نص قرآني محكم، ولا سنة نبوية مباشرة تقول بذلك ،فالنص الديني القرآني شيء،  والفكر السياسي الإسلامي، أو الفكر الديني التاريخي شيء آخر مختلف تماماً، الأول: نص إلهي ثابت، والثاني: صناعة أيديولوجية بشرية متغيرة. ومن هنا عدم دقة حديث البعض في هذا السياق عن ((مبدأ اختصاص الله سبحانه وتعالى بالسيادة))، و((السيادة)) هنا عند البعض تتحول إلى سيادة بمعنى الحكم في الدولة، وليس السيادة، بمعنى القدرة الإلهية التي تسع كل شيء في الوجود بالمعنى الديني الإيماني. ولا اختلاف في أن بعض اتجاهات الفكر السياسي الإسلامي يذهب إلى الخلط بين السيادة الإلهية السماوية، وبين سيادة الشعب، (كما في تفكير د/أحمد عبدالمجيد الزنداني ،ود/ إسماعيل السهيلي )، مسقط هذا المعنى على الدين الإسلامي، ما ليس فيه. كما لا اختلاف في اجتهاد بعض الإسلاميين بقولهم إن ((الفكر السياسي الإسلامي يعتبر تفرد الله تعالى بالحكم والأمر، أهم المبادئ المميزة للدولة الإسلامية)) (1). وهو في  تقديرنا اجتهاد أيديولوجي، سياسي، وليس القول الفصل الديني القرآني، في مسألة بناء الدول، هو اجتهاد بشري يحتمل الصواب والخطأ، ولا صلة له بالدين، هو تأويل أيديولوجي خاص بصاحبه، لا علاقة له بالدين، ومن هنا واجب وضرورة التفريق بين الدين، والفكر الديني. فالعقيدة شيء، والشريعة والتشريع شيء آخر مختلف. ففي العقيدة / الدين لله وحده مصدر جميع القول، والأمر والنهي، أما في الشريعة والتشريع فالشعب (الأمة)، هو صاحب ومصدر السلطات جميعاً عبر مؤسسته التشريعية (المجلس النيابي المنتخب ديمقراطياً). وفي هذا الخطاب ليس هناك أي دعوة لفصل الدين، عن المجتمع، والحياة، وإنما فصل للدولة، عن الفكر الديني، أي فصل الأيديولوجي/ السياسي للسلطة والدولة، عن الدين المقدس.

 أما حديث البعض عن لجنة((تقنين أحكام الشريعة الإسلامية))، ووضعها في موازاة سلطة المجلس النيابي التشريعية، والرقابية، وهو المجلس المنتخب ديمقراطياً من الشعب، فهو قول جديد لم نسمع به من قبل في أي دولة من الدول العربية الإسلامية(2). بذريعة أن لا تتصادم تشريعات المجلس النيابي، مع نصوص الشريعة، وكأن أعضاء المجلس النيابي المنتخبين غير مسلمين، ولا يستندون في تقديم مشاريع قوانينهم التشريعية المختلفة على لجان اختصاصية عليا دقيقة، ومراكز خبرة قانونية وتشريعية اختصاصية بكل أمر من هذه الامور..، "المتخصون في أقسام الشريعة والقانون في الجامعات اليمنية" ولا نرى في هذه الدعوة سوى محاولة للالتفاف على إرادة الشعب، وعلى سلطة المجلس النيابي التشريعية وغيرها، ومحاولة فرض حالة حق الوصاية (الكهانة) ، على إرادة الشعب عبر بعض رجال الدين ،من ذوي المعرفة الدينية المحدودة ، وفي الغالب ممن يفهمون ظاهر النص الخارجي للدين وليس جوهره وأصله ومعناه الديني الحقيقي، وهو افتئات على إرادة الشعب لصالح جماعة أيديولوجية سياسية باسم "هيئة العلماء"، أو"رجال الدين"..، واليوم نحن نشهد كيف انقسمت جماعات رجال الدين، وهيئات، وجمعيات العلماء إلى أكثر من إتجاه في موقفهم من الثورة الشبابية، ومن السلطة، والحاكم، ومن الحرب الجارية، منهم من أفتى بواجب طاعة ولي الأمر الحاكم ، علي عبد الله صالح / في قلب الثورة، وعدم الخروج عليه تحت أي ظرف، -عبدالمجيد الزنداني وغيره على سبيل المثال-وقفوا إلى جانب الحاكم تاريخياً وكانوا جزءاً أصيلاً من مشروعه السياسي، ولم يصطفوا مع الثورة إلاَّ أسمياً وشكلياً ، لإحتوائها، سوى لأحقاً وبعد تأكدهم أن أغلب الشعب مع الثورة، وأن النظام بدأ يتفكك من داخله، وهناك من أقر فكرة ومسألة "الخروج"، على الحاكم ، وأن لا طاعة لحاكم في معصية الله، أو في إقراره الظلم والفساد، ووقف داعماً ومسانداً في فتاوى فقهية شرعية إلى جانب الثورة، كما أن هناك طرفاً آخر فضل الصمت، والانعزال بنفسه عن الطرفين. وفي الحرب الجارية اليوم هناك انقسام بين الفقهاء ، مع طرف ، وضد آخر .. إذاً نحن أمام بشر يجتهدون فيصيبون ويخطئون، وجميعهم يقولون إنهم يمثلون الدين، ويعبرون عن روح الإسلام، وهم جميعاً ينطلقون من المرجعية الإسلامية، إنه الرأي، والاجتهاد، وكما قال الإمام الشافعي ((رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب)).

 إن المجلس النيابي المنتخب ديمقراطياً من الشعب هو جهة التشريع الوحيدة، ولا ينازعه في ذلك أحد، بالإستناد إلى المبادئ العليا للدين الإسلامي، وذلك هو المبدأ الأول في بناء الدول، وتحديداً الدولة المدنية الدستورية الديمقراطية، وهو ما أكد عليه البند، أولاً، في وثيقة الأزهر الشريف الذي جاء فيها ((دعم تأسيس الدولة الوطنية الدستورية الديمقراطية الحديثة، التي تعتمد على دستور ترتضيه الأمة، يفصل بين سلطات الدولة ومؤسساتها القانونية الحاكمة، ويحدد إطار الحكم ،ويضمن الحقوق والواجبات لكل أفرادها على قدم المساواة، بحيث تكون سلطة التشريع فيها لنواب الشعب، بما يتوافق والمفهوم الإسلامي الصحيح، حيث لم يعرف الإسلام لا في تشريعاته ولا حضارته، ولا تاريخه ما يعرف في الثقافات الأخرى بالدولة الدينية الكهنوتية(...) بل ترك للناس إدارة مجتمعاتهم واختيار الآليات والمؤسسات المحققة لمصالحهم..))(3). ذلكم هو نص الأزهر الشريف حول سلطة الشعب وكيف يحقق إرادته عبر مؤسسة مجلس النواب، المجلس التشريعي، المنتخب ديمقراطياً والذي قطعاً لن يحل ما حرمه الله، ولن يحرم ما أحله، ولن يشرع شيئاً إلا بما يتوافق والمقاصد العليا للشريعة الإسلامية، (العدل، الحرية، والكرامة، والمواطنة، والمساواة). ومن المهم الإشارة هنا إلى أن الفكر السياسي الإسلامي ليس طبعة واحدة، فكما أن هناك فكر سياسي إسلامي ظلامي جامد ومتحجر إتباعي،نقلي، نصي، حرفي، أصولي جامد هناك بالمقابل فكر سياسي إسلامي عقلاني نقدي تنويري تحرري ديمقراطي، وإلا فكيف نفسر مضمون وجوهر وثيقة الأزهر الشريف المذكورة. وفكر الجماعات التكفيرية، والجهادية (القاعدة)، و(أنصار الشريعة)، و"داعش"، وكذا فكر السلفية التكفيرية المتشددة المطالبة باستعادة دولة الخلافة الإسلامية اليوم، بل وتدين وتجرم ثورة 26 سبتمبر 1962م، كما يعلنها الشيخ السلفي التكفيري العديني، في تعز في شريط فيديو مسجل بصوته، وصورته.

 

فالفكر السياسي الإسلامي اليوم يقول في بعض اتجاهاته بالديمقراطية، ويعتبرها تطويراً لفكرة الشورى، ويقابلها بها، وهم اليوم يشتركون في العملية الانتخابية، ويتحالفون مع القوميين، والليبراليين، والماركسيين، والاشتراكيين، صيغة "اللقاء المشترك"، في اليمن، هي التجربة السياسية الرائدة ، على مستوى كل المنطقة العربية، والتي نرى ضرورة دراستها وتقييمها بصورة موضوعية ونقدية ، وهي  خير دليل على ذلك، وكذلك تجربة فوز حزب النهضة في تونس وتحالفه في تشكيل الحكومات، مع تيارات قومية ، وليبيرالية ويسارية، واتفاقه معهم على توزيع مواقع الدولة العليا فيما بينهم بالتوافق السياسي، حتى وأن تعثرت أو تواجه تجربة التحالف مصاعب سياسية جدية اليوم ، وكذا اتفاق وتحالفات الإخوان المسلمين في مصر مع تيارات قومية، وليبرالية، ويسارية قبل الثورة، ، وبعد قيامها، وبعد نجاح الانتخابات البرلمانية، والرئاسية، ثم فشل التجربة ، بعد محاولة الأخوان،، الاستفراد بالسلطة والدولة، ومحاولتهم "أسلمة" الدولة ومؤسساتها ، وكذا "أسلمة" المجتمع ، وهو خطأ لا يغتفر، انتج بالضرورة الحالة السياسية الاستبدادية القائمة اليوم في مصر ، ولذلك – أؤوكد يمنياً- أن على مؤسسات البحث العلمي أن تدرس تجربة "اللقاء المشترك"، أين نجحت؟! وأين هي عوامل وأسباب عدم تطور شكل ذلك الإطار السياسي باتجاه العمل المشترك؟! ، وهو ما لم يكن متصوراً قبل ثلاثة عقود، وحتى عقدين من الزمن، أن نراه متحققا سياسياً في اليمن ولكنها "برجماتية"، العمل السياسي في إقامة الأنظمة السياسية ، وبناء الدول . ذلك أن قضية بناء الدول. شأن بشري واجتهادي إنساني ((أنتم أعلم بشؤون دنياكم)) .

 وهي أعظم وصية ، أو حديث نبوي كريم لم يجر التعاطي معه بروحيه ايجابية "، ((وما كان يعنيه النبي محمد "ص" في هذا الحديث هو أن الناس أعلم بما هو ضروري ونافع لهم في مراحلهم لتي يعيشون فيها، أو بمعنى آخر أنتم مطالبون بتقديم أجوبة راهنة على أسئلة تطرح في الزمن الحالي، فأخذت أوجه الفشل تنطلق من عودة غير مدققة إلى نصوص من أزمنة سابقة ، وهذا الأمر يتجدد دائماً ، ولذلك يفشلون)) (4).

أن الحاكم أو الرئيس، أو الخليفة (بالتعبير القديم)،  هو ممثل للشعب، هو أجير لدى الشعب لمدة من الزمن يحددها العقد المشترك في ما بينهم (الشعب، الحاكم)، حيث يقوم الحاكم أو الرئيس، أو النائب في البرلمان، بدور نائب أعلى عن الشعب،  ينوب عنه ويمثله في تحقيقه مصالحه، والشعب بإرادته الحرة هو من يختار من ينوب عنه في المجلس النيابي، أو في رئاسة الدولة، ضمن عقد اجتماعي دستوري..، والمجلس النيابي، ورئيس الجمهورية خاضعان لسلطة وإرادة الشعب في حال خروجهما على ما اتفق عليه، وإلا فإن الثورات عليهما، وتغييرهما هو المصير المحتوم لهما، وهو ما تعلنه الشعوب لحظة إدراكها ذلك الخروج على النص التعاقدي، وهو ما قامت به الثورة الشبابية الشعبية في اليمن بعد أن أخل الحاكم بمبادئ، العدل، والمساواة، والحرية، والجمهورية ،وتحول إلى ما يشبه الملك العضوض (العائلي). والثورة الشبابية الشعبية فيما مارسته من فعل إنما حققت مهام عزل الحاكم عن منصبه وجميع مواقعه التي صار فيها نافذاً غصباً عن إرادة الشعب..، بعد أن خرج الشعب بكليته (معظمه)، إلى الساحات وميادين الحرية، والثورة والتغيير، مطالبين بعزله واسقاطه تحت شعار ((ارحل)) ، "والشعب يريد إسقاط النظام"، وليس توقيع المبادرة الخليجية في 23/11/2011م في الرياض وتحوله إلى ما يشبه الرئيس الشرفي الفخري، سوى الخطوة الأولى لتحقيق إرادة الشعب، التي تحققت في صورة الانتخابات الرئاسية في 21/2/2012م، وهي العملية السياسية التي جرى الانقلاب عليها لأحقاً.

  في قلب العملية الثورية ، والسياسية ، كان هناك إصرار عميق لدى أغلبية إئتلافات، ومنسقيات الثورة، وكذا لدى أغلب القوى السياسية، لتسمية دولة الثورة القادمة، "بالدولة المدنية"، أو بالدولة الوطنية المدنية الدستورية الديمقراطية، الحديثة، وهو إصرار آت من كونها ليست دولة دينية، ولا دولة عسكرية، ولا دولة قبلية، ولا دولة طبقية شمولية، على الطراز الثوري القديم، ولا دولة مذهبية، و(إثنية)،  إمامية/سلالية، "ولاية الفقية"، وإنما دولة دستورية مدنية تمثل وتعبر عن توجهات ومصالح جميع اليمنيين، بكل أطيافهم، ومذاهبهم، وأيديولوجياتهم وقبائلهم، وطبقاتهم، وأحزابهم، وجهاتهم، باعتبارهم مواطنين أحراراً متساوين في الحقوق والواجبات..، ((مواطنين، لا رعايا))،  حسب عنوان كتاب  الشيخ/ خالد محمد خالد، وكتاب الأستاذ حسن الهضيبي ، المرشد العام للأخوان المسلمين ، "دعاة، لا قضاه".

إن الدولة المنشودة ((هي دولة تعاقدية يتوافق الناس على مبادئها ودستورها، وشكل مؤسساتها، الدولة المدنية هي أساساً دولة نظام وقانون، تقوم على إنفاذ القانون، دون تهاون مع من ينتهك القانون، فضلاً عن أن الدولة المدنية تبنى على أساس توزيع السلطات وتوازنها، والرقابة المتبادلة بين السلطات، وفيها لن تكون السلطة مركزة بيد فرد أو جماعة لوحدها، بل ينبغي أن يكون معيار التنوع هو أساس قيادة الدولة، وفقاً للنظام الديمقراطي(...) دولة فيها برلمان مستقل وغير خاضع للسلطة التنفيذية، وفي ظل قضاء حر ونزيه ومستقل وعادل...))(5).

 

 وعلى صعيد الممارسة، فإنه من المهم التأكيد هنا ، أن الإصرار على التمسك بمفهوم المدنية آت من :

 أولاً: من أنه تجاوز وإلغاء لما علق في الذهن الأيديولوجي، والممارسة السياسية، من معانٍ، ودلالات، بل وحتى ممارسات سلبية ارتبطت بمفهوم ،ومصطلح "العلمانية"، و"الدولة العلمانية" في الغرب، والشرق معاً.

 وثانياً: إن مفهوم "المدنية" في تاريخيته، هو إبداع عربي إسلامي من أوائل من تقدم به الأستاذ/ الإمام الشيخ محمد عبده، ويمكن العودة إلى ذلك في العديد من صياغاته الفقهية والفكرية حول هذا المعنى وخاصة في كتابه ((الإسلام بين العلم، والمدنية))، (في الأعمال الكاملة له) وفي قوله المشهور إن "السلطة في الإسلام مدنية من كل الوجوه".

وجاء مفهوم الدولة المدنية ليس لتصفية حساب أيديولوجي وسياسي تاريخي مع مفهوم ومصطلح "العلمانية"، بل ليخفف من وطأة الهجوم السياسي/ والأيديولوجي على مصطلح العلمانية في واقع ما طال مصطلح العلمانية من تحريف ومن تشويه ، فوق الممارسات التطبيقية الخاطئة والمتعسفة لهذه الدولة العلمانية ، أو تلك، في بعض التجارب الشمولية ، ومن هنا قولنا تصفية حساب مع  الدولة العلمانية (الأيديولوجية الليبرالية، أو العسكرية، أو الشمولية الحزبية تحت هيئة الحزب الواحد)، وما رافق ذلك من ممارسات وإجراءات تنفيذية سلبية ضد حرية المعتقد، "الدين"، وحرية الرأي، والفكر، والتعبير، في بعض تجلياتها السياسية التاريخية.

 وثالثاً: إن مفهوم الدولة المدنية الديمقراطية يعني أنها ليست دولة دينية، ولا طائفية مذهبية، وليست كذلك دولة طبقية احتكارية ديكتاتورية، ومن أنها ليست دولة عسكرية، ولا قبلية، ولا سلالية (عرقية / إثنية).

 رابعاً: القول بالدولة المدنية الحديثة، يعنى القطيعة السياسية التاريخية مع الدولة التقليدية الاستبدادية في التاريخ العربي الإسلامي، والعالمي بكل مسمياتها.

 خامساً: إن الدولة المدنية هي دولة سلمية قانونية مؤسسية في تعاطيها مع جميع مواطنيها ،بما يعني أنها لا تحتكم للعصبية، والشوكة، والغلبة، دولة لا ترتكز على "الحق الإلهي"، ولا على الحق "السلالي"، للأفراد والجماعات، وكذلك دولة لا تحكمها التقاليد والاعراف القبلية (الطاغوت)، ولا موازين قوة السلاح كأمر واقع ،بل تحتكم لسلطة القانون والنظام، والطابع المؤسسي لعملها، وهي لذلك دولة مدنية سلمية، يقرر مصيرها ووجودها، ودورها، ووظائفها أبناؤها المواطنون جميعاً .((إن الغاية من تأسيس أي دولة هو حماية المصلحة العامة، أما الوظيفة الأساسية للدولة، هي إقامة العدل، وحماية الحقوق والحريات، وحماية الأرواح والممتلكات .. إلا أن بعض الأنظمة العربية تحولت إلى كتائب بوليس "أخلاقي"، وتنازلت كلياً عن وظائفها كدولة، مدنية، ففي ظل الدولة المدنية لا يهتم المواطنون بمن يحكم، ولكن المهم هو كيف يحكم))( 6) . وحول قضية لا يهم من يحكم، ولكن كيف يحكم، يخطر لي الإشارة إلى بعض ما جاء في التراث الفقهي الإسلامي الوسيط،  وهو ما قاله ((الإمام أحمد بن حنبل، عندما اعتبر بأن الإمام الفاسق العادل خير للأمة من الإمام الصالح الضعيف، ذلك أن الأول فسقه لنفسه، وعدله للمسلمين، بينما الثاني صلاحه لنفسه وضعفه للمسلمين، وكذلك قول الإمام بن تيمية: إن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ويذل الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة))(7). وفي المثالين الواردين أمامكم – وغيره عشرات الأمثلة- تأكيد على قضية أساسية وجوهرية وهي دحض لمسألة ربط الدولة، بالدين، وفي أن الدولة الدينية أو الدولة الإسلامية، ليست جزءاً من العقيدة الإسلامية، ومن أن الدولة الإسلامية ليست مطلوبة بحد ذاتها، ذلك أن الدولة ووجودها يرتبطان بالعدل، والمساواة، ورفع الظلم..، وحيثما كان العدل، ومصلحة المسلمين، فثم وجه الله، كما يقول الفقهاء الإسلاميون جميعاً، سنة ، وشيعة وهو تأكيد تاريخي على أن الدولة بطبيعتها مدنية ، وتاريخية.

سادساً : الدولة المدنية الديمقراطية تعني اعتراف بالآخر ، دولة تقول بالتعددية، في كل مستوياتها، تعني ، حوار، تسامح، وسلام اجتماعي، تعني كما يقول النص القرآني لا إكراه في الدين، تعني حقوق وواجبات متساوية ، تعني أن الحقوق قبل الحدود، دولة تجعل جميع المواطنين سواسية أمامها ، دولة تحترم وتقدس الدين، دولة تقوم على العقد الاجتماعي ، رضاء ، وقبول ، دولة الجيش والأمن ، فيها بيد السلطة / الدولة وحدها ، وبيدها وحدها الانتصاف لحقوق جميع المواطنيين، دولة تقول إن العقيدة الدينية مقدسة، لا يجوز المساس بها ، وأن الشريعة والتشريع اجتهاد بشري "صياغة بشرية إنسانية".

سابعاً: الدولة المدنية الحديثة هي في تقديرنا تجاوز سياسي فكري تاريخي للدولة التقليدية، ومحاولة لتخطي عتبة المجتمع التقليدي تدريجياً إلى مجتمع الدولة المدنية، تحدد مسافة فاصلة موضوعية بين الحاكم، وبين المؤسسة، ما يعني، أولاً ، عدم احتكار وابتلاع الحاكم للسلطة، باعتبارها سلطة تتحقق عبر التداول السلمي ، وثانياً: أن المؤسسة عبر أجهزتها الإدارية والتنظيمية هي التي تنظم هذا الانتقال عبر المؤسسة، حيث الحاكم أو الرئيس هو شاغل للمؤسسة، وليس مالكاً لها، وهو يخضع بذلك للمؤسسة، وليس فوقها، يديرها، ولا يملكها، يحكم ، ولا يتملك، كما هو الحال اليوم في منطقتنا العربية حيث الحاكم غير مفصول عن المؤسسة، بل هي مندمجة كلية به  ومن هنا قتاله الشديد حتى السجن، أو الموت من أجل البقاء في قمة المؤسسة (الدولة / السلطة)، وهو لذلك يقاتل بكل الوسائل من أجل البقاء في السلطة. أمامنا في اليمن نموذج تجربة علي عبدالله صالح، وفي ليبيا معمر القذافي، وفي سوريا بشار الأسد، يقاتلون قتال الدفاع عن المحارم، (العرض) والشرف، والسبب عائد كما قلنا في واحدة من الموضوعات التي تناولناها ، في سياق هذه القراءات  إلى واقع استمرار "ثنائية السلطة، والدولة"، و"ثنائية السلطة، والثروة"، و"ثنائية، الدين، والسياسة"، وهنا تكمن المشكلة الجوهرية في تقديرنا.

 

الهوامش:

.

(1) د. إسماعيل علي، د. أحمد عبد الواحد الزنداني، كتاب ( مقاربات في الدولة المدنية والإسلامية )، مصدر سابق، صـ47.

(2) أنظر حول ذلك كتاب د. إسماعيل علي السهيلي، و د. أحمد عبد الواحد الزنداني (مقاربات في الدولة المدنية)، مصدر سابق، صــ49.

(3) أنظر وثيقة الأزهر الشريف حول الدولة وبنائها ومستقبلها في مصر، صحيفة الاهرام المصرية، الثلاثاء 21/6/2011م .

(4)  حوار أجرته صحيفة DW مع المفكر طيب تيز يني موجود على الانترنت. 

 (5)كتيب (دليل المواطن إلى الدولة المدنية)، مفكرة الديمقراطية، اصدار مؤسسة تمكين للتنمية، TDF، صـ7 .

(6) كتيب ( دليل المواطن إلى الدولة المدنية )، مصدر سابق، صـ7.

(7) د. عبد الله ابو الغيث ورقة مقدمة لأحدى الندوات بعنوان ( الدين والدولة المدنية الديمقراطية، مقاربات لتكريس ثقافة التعايش، ورفض احتكار الحقيقة ) .

إشترك الأن في قناتنا على التيليجرام التغيير نت عبر تيلجرام

[email protected]

فيديو

READ_MORE

سفراؤنا في الخارج والحصانة الإضافية

ناجي عبدالله الحرازي

أهمية التغيير

ناجي عبدالله الحرازي

حقوق الإنسان في الدول النامية

ناجي عبدالله الحرازي

دروس من إقتحام مبني مجلس العموم البريطاني

ناجي عبدالله الحرازي

ورطة الدكتور مجور

ناجي عبدالله الحرازي